التعلم الكلاسيكي الشرطي وتطبيقاته في المجالات التربوية والتعليمية

تظل عملية التعلم واكتساب المعارف وتطويرها جيلا بعد جيل هي أولى اهتمامات الدول والحكومات وأولى خطواتها للإرتقاء بمجتمعاتها، وبالرغم من استمرارية عملية التعليم إلا أن وسائلها وآلياتها تختلف وتتغير بتغير المجتمع وتطوره. ففي عصرنا الحالي تعددت العوامل التي ظهر أثرها بشكل كبير على عملية التعلم وتلقي المعارف؛ حيث منصات التعلم الرقمي، وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائل التعلم المنهجي وغيرها.

ولعل العوامل البيئية والنفسية هي من أهم العوامل التي تؤثر في عملية التعلم وتنعكس بشكل مباشر على أداء المتعلمين، حيث أن البيئة الصحية المهيئة ومراعاة الجوانب النفسية للطلاب تعمل على تحسين مقدراتهم الاستيعابية ومشاركتهم وتفاعلهم وبالتالي زيادة تحصيلهم الأكاديمي واكتسابهم المهارات والخبرات مما يعني تحقيق الأهداف التعليمية على أفضل وجه.

كما أن للمعلم دور أساسي في زيادة دافعية الطلاب وتحفيزهم عن طريق استخدام الوسائل الرقمية الحديثة كالحواسيب والمنصات الالكترونية والأدوات المتطورة، والأهم من ذلك فهم المعلم ومواكبته واضطلاعه على كل ما جد من النظريات التعليمية مع إدراك الجوانب النفسية لطلابه في مختلف مراحلهم العلمية والعمرية ومن ثم تطبيق هذه المعارف والنظريات بالشكل الذي يؤدي إلى تحصيل أفضل المخرجات والنتائج الأكاديمية والاجتماعية.

وقد تم وضع العديد من النظريات التعليمية التي تفسر آلية اكتساب المعلومات واتقان المهارات وتوضح أفضل الأساليب لمخاطبة العقل البشري، وبالتالي توجيه عملية التعلم لترتكز على أسس منهجية مثبتة ومدروسة، ومن أشهر هذه النظريات نظرية الاشراط الكلاسيكي، أو التعلم الكلاسيكي الشرطي فما هي نظرية الاشراط الكلاسيكي وما أهميتها في عملية التعليم؟

نظرية بافلوف

تعتبر نظرية الإشراط الكلاسيكي للعالم الروسي بافلوف هي أساس المدرسة السلوكية منذ القرن العشرين، ولا زال لها دورها الكبير في عمليات العلاج النفسي ودراسة السلوك كما أنها الآن تعتبر من أكثر نظريات التعلم مناقشة وتطبيقا..

وتنص نظرية بافلوف على أن الاشتراط الكلاسيكي هو عملية الاقتران والارتباط بين عنصرين مثيرين سمى أحدهما بالمثير الشرطي والآخر بالمثير غير الشرطي، بحيث يمكن للمثير الشرطي (المحايد في الأصل) من توليد ذات الاستجابة التي كانت تنتج عن المثير غير الشرطي (الأصلي). ولشرح النظرية وتوضيحها سوف نستعرض تجربة بافلوف الشهيرة..

كان العالم بافلوف مهتما بدراسة علم وظائف الحيوان، وفي احدى تجاربه عن دور اللعاب في عملية الهضم بمساعدة كلبه كان بافلوف يقوم برن الجرس ليلفت انتباه الكلب ومن ثم مباشرة يقوم بتقديم الطعام له ليبدأ لعاب الكلب بالسيلان،..كرر بافلوف هذه العملية مرارا بهدف قياس كمية اللعاب في كل مرة..

  • المثير المحايد (صوت الجرس): تنتج عنه استجابة طبيعية (انتباه الكلب).
  • المثير الأصلي (تقديم الطعام): الاستجابة الأصلية (سيلان اللعاب).

بعد تكرار هذه العملية لفترة من الزمن فوجئ بافلوف بأن لعاب الكلب يبدأ بالسيلان فور رن الجرس وقبل احضار الطعام؟!

أي أن صوت الجرس ارتبط عند الكلب بإحضار الطعام فنتجت عنه نفس الاستجابة التي تنتج عن تقديم الأكل وهي سيلان اللعاب!:

  • المثير الشرطي (صوت الجرس): الاستجابة الشرطية (سيلان اللعاب).

عندها قام بافلوف بإعادة التجربة ليتأكد من حدوث الارتباط، حيث استخدم هذه المرة ضوء المصباح كمثير محايد بدلا عن صوت الجرس؛ فكان يضئ المصباح ليلفت انتباه الكلب ثم يقوم فورا بتقديم الطعام له ليبدأ لعابه بالسيلان،.. وبعد تكرار التجربة عدة مرات كان لعاب الكلب يسيل فور اضاءة المصباح وقبل تقديم الطعام.

  • المثير الشرطي (إضاءة المصباح): الاستجابة الشرطية (سيلان اللعاب).

مما سبق استنتج بافلوف حدوث الارتباط بين المثير المحايد والأصلي، إذ أن المثير المحايد بعد هذا الارتباط أصبح قادرا على تحفيز الاستجابة الأصلية. ولذلك أطلق على المثير المحايد اسم المثير الشرطي _ حيث أصبح مشروطا بصاحبه وله قابلية استدعاء ذات الاستجابة_ وسميت الاستجابة الأصلية التي تنتج عنه بالاستجابة الشرطية حيث أنها أصبحت مشروطة بالمثيرين الأصلي والمحايد.

تطبيقات نظرية التعلم الكلاسيكي الشرطي في المجالات التربوية والتعليمية

وفقا لنظرية الإشراط الكلاسيكي يمكن تفسير الاستجابات المختلفة التي تصدر عن الفرد وكيفية تعلمه هذه الاستجابات وردود الأفعال سواء كانت إيجابية كالفرح والغبطة والحماس، أو كانت ردود أفعال سلبية كالحزن والخوف والقلق.

بتطبيق نظرية الإشراط الكلاسيكي يمكن اكساب المهارات المختلفة للأطفال والمتعلمين من خلال خلق حالة من الربط بين مثيرات شرطية وأخرى غير شرطية. مثل ربط المثيرات التي تسبب استجابات غير مرغوبة كخوف الطفل من التواجد في الأماكن العامة مثلا، هنا يمكن تقديم مكافأة للطفل بعد كل مرة يخرج فيها لأحد هذه الأماكن، ليتحول عنده الشعور بالخوف (الاستجابة الأصلية) إلى شعور الفرح (الاستجابة المشروطة) وذلك بعد ادخال عنصر المكافأة الذي يشكل المثير الشرطي.

تستخدم نظرية بافلوف أيضا في علاج حالات الفوبيا والهستيريا والفصام والعصاب وغيرها من الاضطرابات العقلية والنفسية كحالات التبول اللا إرادي عند الأطفال مثلا.

عمليات التعميم والتمييز – التي هي أحد المفاهيم التي تقوم عليها النظرية – تعتبر من أهم العمليات التي توضح وتفسر مظاهر التعلم الإنساني.

ساهمت نظرية الاشراط الكلاسيكي في تقويم وتوجيه عملية التعليم بتطبيق مبادئ التعزيز والتعميم، وعلى أساس هذه النظرية تم استحداث العديد من الوسائل التي استخدمت للتمييز بين المثيرات.

كما تعتبر نظرية الاشراط الكلاسيكي هي نقطة البداية والقاعدة التي قامت عليها العديد من نظريات التعلم الارتباطية الأخرى.

وأخيرا يجب علينا الإشارة إلى ملاحظة الفرق بين التعلم الكلاسيكي الشرطي والتعلم الإجرائي الشرطي إذ أن كل منهما يعتبر نوع من أنواع السلوك الذي يكتسبه الكائن الحي من خلال ربطه بحالة أو حدث محدد، إلا أن الاحتلاف يكمن في أن التعلم الكلاسيكي الشرطي يتم فيه الربط بين مثيرين مختلفين أما في التعلم الاجرائي الشرطي يكون الربط بين استجابة الحيوان والنتيجة سواء كانت ايجابية أو سلبية.

شاهد أيضاً

مهـــام المشـــرف التربـــوي

مهام المشرف التربوي : المهام الفنية، الادارية، التطويرية، وغيرها

المشرف التربوي هو الخبير الذي يقوم بمساعدة المعلمين على التطور المهني وتقديم الاستشارات التربوية فيما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.